حمزة الأحمدي
د. عدنان الخياري
الطفل والمشاريع الصغيرة
22 أكتوبر 2025
747 مشاهدة
كثيرًا ما يسألني بعض الآباء أو الأمهات، وخاصة في العائلة، ما هي الطريقة المناسبة لجعل أطفالهم يمارسون التجارة أو تجربة العمل بأنفسهم في سنٍّ مبكرة؟
بعض الناس لديهم ظروف وممكنات تجعل هذا الأمر سهلًا وتلقائيًا، بينما الغالبية العظمى لديها تخوفاتٌ كبيرة تصل -غالبًا- إلى حد إلغاء الفكرة من الأساس؛ مثل عدم معرفة نوع العمل التجاري الأنسب للطفل، أو الخشية من أن يؤثر ذلك على دراسته، أو التساؤل إن كان المشروع يجب أن يكون في فترات الإجازة فقط أم يمكن ممارسته أثناء الدراسة، وكذلك القلق من نظرة المجتمع أو من الفشل المبكر.
هدفي في هذا المقال هو تبسيط الفكرة بشكل منظم بالأمثلة والخطوات، لتكون نقطة انطلاقة تبدأ منها الأسرة التفكير في مشروعٍ صغيرٍ يربط بين التعلم والعمل بطريقة آمنة وممتعة.
حين
يفهم الطفل أن المال نتيجةُ قيمةٍ قدّمها، لا مجرد مبلغٍ استلمه، تتغيّر علاقته
بالعمل والوقت والاختيار.
والمشاريع الصغيرة ليست غاية ربحية دائمًا بقدر
ما هي معمل تربوي يغرس: الانضباط، التخطيط، احترام المواعيد، خدمة المجتمع،
وأخلاقيات السوق.
أفكار لمشاريع للأبناء
الأفكار لا حدّ لها، وتختلف باختلاف عمر الابن وبيئته وتكوينه وميوله، إلى جانب مدى دعم الأسرة ووقتها المتاح للإشراف.
ما
سنذكره أدناه مجموعة مقترحات متنوعة يمكن الانطلاق منها، على أن يكون الاختيار
النهائي بعد مناقشة متعمقة بين الوالدين والابن حول ما يناسبه من حيث الأمان
والفائدة.
1) أفكار يمكن تنفيذهاوإطلاقها من المنزل
- تغليف التمور والضيافة المنزلية: صناديق تمر صغيرة ببطاقة تهنئة يكتبها الطفل.
- الطهي المنزلي للحلويات والوجبات الخفيفة: خاصة للبنات المبدعات، مع التركيز على السلامة والنظافة والتغليف الجذاب.
- تجهيز شتلات: تجهيز شتلات لنباتات الزينة وتغليفها وبيعها.
- تحميص فصفص ومكسرات خفيفة: أكياس صغيرة مع ملصق مكونات وتاريخ.
- أعمال فنية من إعادة التدوير (دفاتر من ورق مُعاد تدويره، حامل أقلام من كرتون).
- علب هدايا صغيرة تجمع منتجات رمزية بطريقة أنيقة.
2) أفكار خارج المنزل
- ركن ضيافة (شاي وماء وتمور في أنشطة الحي) مع الترحيب بالحضور.
- تغليف وتوزيع هدايا موسمية للأقارب والجيران برسوم رمزية.
- تصوير مناسبات وفعاليات خاصة (مدرسية أو عائلية) مع إضاءة مناسبة وتدريب بسيط، بإشراف مباشر من الأسرة.
- تنظيم ورش حرف بسيطة للأطفال (طي ورق، تزيين دفاتر) برسوم مناسبة.
- إعداد نشرات توعوية مصغّرة (إتيكيت ضيافة، حفظ طعام) وتوزيعها.
3) أفكار رقمية عصرية
- تصميم البنرات الإعلانية والمطبوعات (Graphic Design)وتقديمها كخدمة.
- مونتاج الأفلام والفيديوهات للعائلة أو الأصدقاء.
- نشر حلقات مفيدة في تخصص يحبه الطفل عبر قناة يوتيوب، وجني عائدات من الإعلانات.
- تجهيز الطلبات والمتابعة لمتجر إلكتروني (تنظيم، تغليف، شحن).
- مذكرات دراسية مصوّرة أو ملفات تنظيم الوقت وبيعها رقميًا.
- قوالب عروض قصيرة لمشاريع المدرسة.
الأفكار
الرقمية تُعزز الإبداع وتقلل الحاجة للتعامل الميداني، وهي مناسبة للمواهب التقنية
والفنية الناشئة.
"خطة مشروع من صفحة واحدة" (للأسرة)
لا نريد أن نُثقل كاهل الأبناء إذا كانوا في سن مبكر بعبارات معقدة مثل "دراسة جدوى اقتصادية" أو "الجدوى الفنية" للمشروع، بل نطلب منهم إعداد ملخّص بسيط في ورقة واحدة يجيب على الأسئلة التالية:
- الفكرة: ماذا سنقدّم؟ لمن؟ ولماذا سيشترونه؟
- الوقت: كم ساعة أسبوعيًا؟ ما الموعد النهائي؟
- التكلفة: مواد، تغليف، نقل (ريالات محددة).
- السعر: تكلفة + هامش بسيط = سعر البيع.
- الجودة: معياران واضحان (مثل: نظافة، إتقان) وكيف نضمنهما.
- الأمان والسلامة/الإذن: إشراف أحد الوالدين + اتباع معايير أمان وسلامة.
- قنوات العرض: دائرة المعارف، مناسبة عائلية، أو ملف رقمي (بروفايل).
- خدمة ما بعد البيع: القبولبإرجاع أو استبدال بسيط لتعلّم المسؤولية.
|
تنويه: للطلاب، مسألة الوقت وإدارته هامة جدًا، وربما هي الأهم. لا بد من تحديد وقت العمل بدقة شديدة وضبطه بأفضل صورة ممكنة: هل العمل ساعتان يوميًا؟ أم في نهاية الأسبوع؟ أم موسمي في الإجازات؟ هذه المرونة المنظمة تضمن التوازن بين الدراسة وجني الأرباح والخبرة العملية. |
كيف نُعلّم "قيمة الوقت" عمليًا؟
- التسعير بالساعة: احسبوا الوقت داخل السعر. يتعلم الطفل أن "الوقت جزء من التكلفة".
- سجلّ عمل: بداية/نهاية، ما تعلّم اليوم، ما الذي سيحسّنه غدًا.
- اختيار مشروع يعلّم مهارة (تصميم، تصوير، تنسيق، تواصل).
- مقارنة قبل/بعد: صورة أول منتج وآخر منتج لقياس التحسّن.
تقسيم العائد المالي (اقتراح بسيط، وبحسب ما يتم مناقشته مع الوالدين)
· 50 % إعادة استثمار (تطوير الأدوات/التغليف).
· 40 % ادخار هدف محدد (حصّالة أو حساب ولي الأمر).
· 10 % عطاء منظم (هدية رمزية/صدقة).
الهدف
تربوي: بناء عادةٍ مالية واعية وإيراد معقول، وليس التركيز الأساسي على تعظيم
الربح.
مؤشرات نجاح قابلة للقياس (KPI عائلية)
- عدد الطلبات في الأسبوع.
- رضا المستفيدين (سؤالان بسيطان بعد التسليم).
- الالتزام بالمواعيد (هل سلّمنا في الوقت؟).
- جودة التغليف والنظافة (تقييم ذاتي + ملاحظات).
- ساعات الاستثمار في التعلم (فيديو، قراءة، تدريب قصير).
أخلاقيات السوق التي نغرسها في الطفل
- الصدق في الوعد والسعر: لا وعود مبالغ فيها.
- الشفافية: إظهار المكونات أو المواد بوضوح.
- تحمّل المسؤولية: اعتذار مهذب عند الخطأ مع تصحيح مباشر.
- الاحترام: لا ضغط على الأقارب والعملاء للشراء، بل عرض مهذب وخيار حر.
ما الذي نتجنّبه؟
- أي نشاط بلا إشراف من شخص بالغ.
- البيع في أماكن عامة تتطلب تصريحًا.
- التعامل النقدي مع غرباء دون وجود ولي الأمر.
- جمع بيانات شخصية أو مشاركة مواقع وأرقام.
- مشاريع بمواد خطرة، أو طعام وغيره دون التزام صحي مناسب.
إن شاء الله نكون أوضحنا بعض الأمور، والآن نريد أن نعرف: كيف نبدأ اليوم؟ (مقترح)
1. اجتماع عائلي في نهاية الأسبوع لاختيار فكرة مشروع واحد فقط.
2. كتابة خطة صفحة واحدة وتحديد سقف الوقت والتكلفة.
3. تنفيذ تجريبي محدود (للمنتجات) أو تقديم أول خدمة بسيطة (للخدمات).
4. تلقِّي التغذية الراجعة وتحسين الفكرة.
5. تحديد فترات دورية لتكرار التجربة ثم تقييم النتائج: ماذا تعلّمنا؟ وما المهارة التي نمَت؟
بهذه الخطوات، يصبح مشروع الطفل الصغير جاهزاً وبمثابة مدرسة عملية للنمو والوعي المالي:
يربح قليلًا، لكنه يتعلّم كثيرًا —احترام الوقت، تقدير الجهد، أخلاقيات المعاملة، وخدمة المجتمع.
هذه أرباح لا تُشترى.