حمزة الأحمدي
د. عدنان الخياري
الذكاء الاستهلاكي في الإعلانات
22 أكتوبر 2025
826 مشاهدة
في زمنٍ يتدفّق فيه الإعلان إلى منازلنا عبر كل شاشة، لم يعد الشراء قرارًا واعيًا بقدر ما أصبح استجابة لحافزٍ ذكيٍّ صُمم بعناية. فاليوم، الإعلانات لا تبيع منتجًا فحسب، بل تبيع رغبة.
من مقاطع الفيديو القصيرة إلى الخصومات "المؤقتة"، ومن المؤثرين الذين يبتسمون بإقناع، إلى التطبيقات التي تعرف ما أحببناه بالأمس، تُبنى رغباتنا -ورغبات أبنائنا- ببطءٍ وهدوءٍ دون أن نشعر.
الهدف
ليس مقاومة الإعلان، بل فهمه. وليس الرفض، بل الإدراك. لأن الأسرة التي تدرك
محاولات الإعلانات للتأثير عليها، تصبح أكثر استقلالية في قراراتها، وأقدر على
تربية جيلٍ يشتري بعقله لا بانفعاله.
كيف
تُقنعنا الإعلانات دون أن نشعر؟
الإعلان الحديث لا يقول "اشترِ"، بل يجعلك تشعر أنك تحتاج.
ولتحقيق ذلك، يتم توظيف أدوات نفسية ذكية أثبتت الدراسات فاعليتها، مثل:
- الندرة المصطنعة: "العرض ينتهي خلال ساعتين!" — لتشعر أن التأجيل خسارة.
- الدليل الاجتماعي: "اشترى هذا المنتج أكثر من ألف شخص!" — لتشعر أنك خارج الجماعة إن لم تشترِ.
- الرسالة العاطفية: إعلانٌ لمنتج منزلي يظهر فيه طفلٌ يضحك أو أمٌّ فخورة — فيربط القرار بالمشاعر لا بالمنفعة.
- تجزئة السعر: 9.99 بدل 10، أو "3 دفعات بدون فوائد" — لتبدو السلعة أرخص مما هي عليه.
- الإعلانات المخصصة (والمستهدفة): تظهر لك سلعة رأيتها مرة واحدة، لتقنعك بأنك "اكتشفتها صدفة" لا أن أحدًا استهدفك بها.
هذه
الأساليب لا تُعد خطأً تجاريًا، لكنها تصبح خطرًا حين لا يملك المستهلك وعيًا
نقديًا يفرّق بين الحاجة والرغبة.
الأطفال
اليوم يشاهدون ما يقارب 20 ألف إعلان سنويًا على الشاشات والمنصات
الرقمية، وفق دراسات عالمية متخصصة. وغالبًا ما يتلقّونها بذهولٍ واندفاع، دون
القدرة على التمييز بين الترويج والمعلومة.
ولأنهم يتعلّمون من سلوك الكبار، فإن كل "شراء
سريع" من أحد الوالدين يرسّخ فيهم درسًا صامتًا: الرغبة أهم من
التفكير.
لذا،
يبدأ الذكاء الاستهلاكي من البيت، حين يرى الطفل كيف يناقش والده أو والدته
إعلانًا بدل أن يستسلما له.
لستُ هنا أدعو إلى العزلة عن الأسواق أو الامتناع عن الشراء، بل إلى التوازن:
· أن نستمتع بما نشتريه، لكن نفهم لماذا نشتريه.
· أن نسمح للإعلانات بأن تُلهمنا، لا أن تُسيطر علينا.
وهذا
هو جوهر الذكاء الاستهلاكي: أن تكون أنت صاحب المفتاح، لا أن يكون بيد غيرك.
لكي يتحول هذا الوعي إلى ممارسة يومية، يمكن للأسرة تطبيق مجموعة من التمارين البسيطة والفعّالة:
1) للأطفال – بطاقة الدقيقة الواحدة
قبل أي شراء، علّم طفلك أن يسأل نفسه:
1. هل أحتاجه فعلاً أم أرغب فيه فقط؟
2. هل لدي شيء مشابه في البيت؟
3. هل سأستخدمه أكثر من مرّة؟
إذا كانت إجابتان أو أكثر "لا" ← نلغي الشراء، أو على الأقل نؤجله.
2) للوالدين – قاعدة الثلاثة أسئلة
قبل الضغط على "إتمام الطلب":
1. ما البدائل الأرخص أو الأنسب؟
2. من أي بند مالي سأدفع المبلغ؟
3. ما عمر الاستخدام الحقيقي للمنتج؟ (أيام؟ أشهر؟ لحظة؟)
3) للأسرة – "فلتر الإعلان"
عندما يظهر إعلان، نحاول سويًا اكتشاف أساليبه:
هل يستخدم الندرة؟ العاطفة؟ السعر المكسور؟ المؤثرين؟
بمجرد أن يسمي الطفل الحيلة، يفقد الإعلان سحره.
4) العُرف الذكي
اتفقوا على جملة عائلية توقف الاندفاع بلُطف، مثل:
"بنراجعها بعد بكرة" أو "نضيفها لقائمة الرغبات".
هكذا
نحافظ على الهدوء دون إحراج.
المملكة اليوم من أكثر أسواق الإعلانات الرقمية نموًا في المنطقة، بحجم إنفاقٍ يتجاوز 8 مليارات ريال سنويًا (1).
وهذا يعني أن العائلة السعودية مستهدفة يوميًا بعشرات الرسائل التسويقية، بعضها راقٍ وذكي، وبعضها يروّج لاستهلاك مفرط دون إدراك.
هنا
تأتي مسؤولية الأسرة والمؤسسات التعليمية والمبادرات المالية الوطنية -مثل
برامج الوعي المالي المقدمة من "اكتفاء" و"ريالي"-
لتقديم محتوى يُنمّي التفكير النقدي المالي لدى
النشء، حتى لا يتحول التسويق الذكي إلى استهلاكٍ غير ذكي.
وحين يتعلّم الطفل أن يسأل قبل أن يشتري، ويتروّى قبل أن يقرر، يصبح الإقناع الإعلاني فرصةً للحوار، لا سببًا للضغط.
فلنربِّ أبناءنا على أن الإعلان لا يحدّد رغباتنا، بل نحدّدها نحن.
بهذا،
نحمي عقولهم قبل محافظهم، ونزرع جيلًا يعرف أن المال وسيلة لحرية الاختيار، لا
وسيلة لتكرار الأخطاء التسويقية.
(1) هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية – تقرير اقتصاد الإعلانات الرقمية في المملكة العربية السعودية 2023.