حمزة الأحمدي
د. عدنان الخياري
ثقافة "اشترِ الخبرة لا الأشياء" داخل الأسرة
22 أكتوبر 2025
817 مشاهدة
استمرارًا لمقالاتنا في هذا القسم (الأجيال الواعية والأسرة)، التي تدور حول بناء الوعي المالي الأسري وتنشئة جيلٍ يُدير ماله بعقلٍ متزن ومسؤولية ناضجة، ما رأيكم —أيها الأمهات والآباء الأعزاء— أن نجرب معًا شيئًا جديدًا نعلّمه أبناءنا ويغيّر حياتهم للأفضل بشكلٍ ملموس؟
سنجرب مفهومًا جديدًا نسميه:
اشترِ الخبرة لا الأشياء
في زمنٍ تتسارع فيه الإعلانات وتتنافس المتاجر التقليدية والإلكترونية على جذب أعيننا، أصبح من السهل أن يُقاس الرضا بالشراء، لا بالتجربة. ومع ذلك، هناك مفهوم بسيط وعميق بدأ يلفت انتباه خبراء التربية المالية حول العالم: اشترِ الخبرة لا الأشياء.
الفكرة ببساطة: بدل أن يوجِّه الطفل كل مدخراته من مصروفه أو من مصادره الصغيرة الأخرى نحو شراء لعبة أو جهازٍ جديد، نُخصّص جزءًا صغيرًا منه لتجربةٍ تُضيف له مهارة أو خبرة أو متعة فكرية، تظل ترافقه طويلًا بعد أن ينسى تلك اللعبة.
إنها ليست دعوة للتقشف، بل لتوازنٍ ذكي: أن نشتري أشياء أقل، لكن نعيش تجارب أكثر.
ولا نريد من الوالدين أن يوجّهوا أو يأمروا الأبناء بتنفيذ ذلك مباشرة، بل أن يجعلوا هذا المبدأ جزءًا من ثقافتهم المالية اليومية، يتبنّونه تلقائيًا دون تردد، ويورثونه لأبنائهم لاحقًا كما يورّثونهم القيم والعادات الطيبة.
هذه الثقافة تنسجم مع التحولات الكبرى في اقتصاديات المعرفة، حيث أصبحت المهارة والخبرة عنصرين حاسمين في بناء الإنسان وتمكينه من الترقي في حياته المهنية والعائلية. فالذي يستثمر في تطوير مهاراته منذ الصغر — في الرياضة، أو الفن، أو العلوم، أو القيادة — يؤسّس لرأس مال بشريٍّ لا يفنى، على عكس المشتريات التي تزول بمرور الوقت.
- أن يدخِر الطفل جزءًا صغيرًا من مصروفه لتجربةٍ تعليمية أو نشاطٍ مفيد.
- أن يخصّص الوالدان في ميزانية الأسرة بندًا دائمًا لـ"التجارب والخبرات"، يُناقَش ويُحدَّث كل شهر.
- أن تكون هناك جلسة عائلية يتشارك فيها الجميع الأفكار: ما التجربة القادمة التي سنخوضها؟ دورة فنية؟ ورشة روبوتات؟ نشاط رياضي جماعي؟ أو زيارة لمعرض فني؟
والجميل أن هذا الاتجاه أصبح اليوم أكثر سهولة في المملكة —بفضل برامج "جودة الحياة"ضمن رؤية السعودية 2030—حيث تتكاثر الفعاليات المبتكرة، والأنشطة التفاعلية، والمعارض الفنية، والمبادرات التعليمية في كل المدن والمناطق، لتتيح للأسرة والطفل فرصًا غنية لبناء الذات عبر التجربة والمعرفة.
عندما يربي الآباء أبناءهم على أن يعيشوا تجارب أكثر ويتملكوا أشياء أقل، فهُم في الواقع يبنون فيهم ما هو أبعد، ويصنعون جيلاً يرى في المال وسيلة لتوسيع مداركه وتجربة الحياة بعمق، لا لملء الرفوف بأشياء تزول بمرور الزمن.