كاتب المقال:
حمزة الأحمدي

مراجعة وإشراف:
د. عدنان الخياري
مشاركة المقال

الإنفاق الواعي في الضيافة والهدايا

22 أكتوبر 2025

832 مشاهدة

الأجيال الواعية والأسرة


في مجتمعنا السعودي -الكريم بطبعه-، تُعدّ الضيافة والهدايا أكثر من مجرد عادات، إنها لغة للمودة والتقدير، وتعبير عميق عن الروابط العائلية والاجتماعية. ومع ذلك، أصبحت هذه المظاهر الجميلة في كثير من الأحيان عبئًا ماليًا غير معلن، يثقل كاهل الأفراد ويضعهم أمام معادلة صعبة: كيف نحافظ على الودّ دون أن نقع في الإرهاق والإنهاك المالي؟ 

 بين الكرم والعقل المالي

الكرم من الصفات الحميدة، وقيمة راسخة في الشخصية السعودية، وهو من أجمل صور التكافل والتوادّ الاجتماعي. لكن حين يتحول الكرم إلى تنافس في المظاهر أو إلى التزام اجتماعي مرهق يفوق القدرة المادية، تتشوّه الصورة الجميلة وتتحوّل النية الطيبة إلى ضغطٍ مالي.

تشير التقديرات الاستهلاكية المحلية إلى أن بعض الأسر تنفق ما بين 10 إلى 15 % من ميزانيتها الشهرية على المناسبات الاجتماعية والهدايا والضيافة، خصوصًا في المواسم مثل الأعياد والزواجات والعزائم العائلية. هذا الإنفاق، رغم أصالته الاجتماعية، يمكن أن يؤدي إلى إجهاد مالي تراكمي، حيث يُنفق الأفراد بدافع المجاملة أو الخوف من التقصير، لا بدافع الوعي أو التوازن

 الهدية ليست في ثمنها، بل في أثرها

واحدة من أكثر المفاهيم التي تحتاج إعادة تأمل هي أن قيمة الهدية ليست في ثمنها المادي، بل في طريقتها ومعناها.

كثيرون ينشغلون باختيار هدية فاخرة غالية الثمن، لكنها تمرّ مرور الكرام لأنها خالية من اللمسة الشخصية.
وفي المقابل، قد تُخلّد في الذاكرة هدية بسيطة —بطاقة بخط اليد، أو قطعة فنية رمزية، أو حتى عطر مغلف بعناية مع كلمة مؤثرة— لأنها صادقة، ولامست العاطفة قبل الجيب.

فنّ تقديم الهدية لا يقل أهمية عن الهدية نفسها. تغليفها بعناية، أو كتابة عبارة تعبّر عن التقدير، أو حتى اختيار الوقت المناسب لتقديمها، يجعلها أكثر عمقًا وأثرًا من هدية باهظة تُقدَّم بلا روح.
بهذه اللمسات، يمكن لنا أن نُحوّل الإنفاق من منافسة في الأسعار إلى تعبير صادق عن المشاعر والذوق.

من التكاليف إلى التوازن

لتحقيق التوازن بين الكرم والأمان المالي، لا بد من إدخال الضيافة والهدايا ضمن التخطيط المالي الأسري.
فالخطأ ليس في الإنفاق، بل في غياب التنظيم.

يمكن للأسرة أن تبدأ بخطوات بسيطة:

  • تخصيص ميزانية واضحة للهدايا والضيافة ضمن الخطة السنوية للأسرة، بحيث يكون الإنفاق متوقعًا لا مفاجئًا.
  • تحديد سقف للهدية حسب الفئة والمناسبة، دون الإخلال بمبدأ التقدير والذوق.
  • تجنّب التباهي الاجتماعي أو ما يسمى بـ"الإنفاق من أجل الصورة"، لأنه يجرّ الفرد إلى دائرة لا تنتهي من المقارنات.
  • التخطيط المسبق للهدايا، خصوصًا في المواسم المعروفة، والاستفادة من التخفيضات أو الهدايا المشتركة مع الأقارب والأصدقاء لتخفيف التكلفة.

الإنفاق الواعي هنا لا يعني البخل أو التقليل من قيمة المناسبة، بل يعني الكرم المنظّم الذي يراعي الموارد ويقدّر العلاقات في آنٍ واحد

 من الممارسات الذكية في الهدايا والضيافة

  • الفصل بين الضيافة والهدية: لا ينبغي أن يشعر الشخص بأنه ملزم بالقيام بالأمرين معًا في كل مناسبة. الهدية يمكن أن تكون رمزية إذا كانت الضيافة كريمة، والعكس صحيح.
  • الهدايا المشتركة: مشاركة عدة أشخاص في تقديم هدية واحدة ذات قيمة معقولة أفضل من إنفاق كل شخص على هدية فردية تفقد المعنى.
  • الهدايا المعنوية أو التجريبية: كاشتراك في دورة قصيرة، أو حضور فعالية فنية أو ثقافية، أو تجربة ترفيهية — وهي أفكار تعزز الخبرة بدل الماديات.
  • اللمسة الشخصية: تعطير الهدية برائحة مميزة، كلمة بخط اليد، أو تغليف جميل قد تصنع أثرًا يوازي أضعاف التكلفة المادية.
  • صدقة جارية: دفع قيمة سهم في وقف خيري أو المساهمة في بناء مسجد باسم الـمُهدى له.

الضيافة والهدية في ضوء الوعي المالي الجديد

إن التوازن بين الأصالة المالية والاجتماعية لا يُفقدنا كرمنا، بل يصقله.

فنحن حين نُعيد التفكير في طريقة الإنفاق على الهدايا والضيافة، فإننا نُعيد المعنى إلى جوهرها: أن تكون وسيلة للمحبة، لا عبئًا من المجاملة.

وفي ظل ارتفاع التكاليف والمصروفات على الأسر، وجب ترشيد الإنفاق ورفع كفاءة الوعي المالي، وبات من الممكن -بل من الضروري- أن تتحول ثقافة الإنفاق من العفوية إلى الوعي، ومن الإلزام الاجتماعي إلى الاختيار الذكي

 وقبل أن أختم، أعيد التذكير بأن الهدايا والضيافة من أجمل وجوه المودة في مجتمعنا، لكنها تفقد قيمتها حين تصبح عبئًا على مقدّمها أو وسيلة للتفاخر.

إن الإنفاق الواعي لا يعني تقليل الكرم، بل يعني أن نمنحه وزنه الصحيح في الوقت والمقدار والطريقة.

فأفضل الهدايا ليست الأغلى ثمنًا، بل تلك التي تُقدَّم بحبٍّ وذكاءٍ واحترامٍ للذات والآخرين تحفظ الودّ، وتُظهر الذوق، وتُراعي الإمكانات.

وهكذا، يصبح الكرم السعودي أبهى ما يكون: كريمًا في المعنى، عاقلًا في الممارسة.